لماذا لم ينتهِ الحديث عنه !

منذ أن تعلّم الإنسان أن يروي الحكايات وهو يروي حكاية الحب
تغيّرت اللغات وتبدّلت الأمم وسقطت الممالك واختلفت تصورات البشر عن العالم وعن أنفسهم لكن الحب بقي حاضرًا على نحو يثير الحيرة
ليس لأنه نادر
ولا لأنه مجهول
بل لأن الحديث عنه لم ينتهِ يومًا
وهذا ما يدهشني
فالحب ليس شعورًا اكتشفناه بالأمس حتى نستمر في محاولة فهمه
بل ربما يكون أكثر شعورٍ كُتب عنه في تاريخ الإنسان
كتب عنه الشعراء حتى ظننا أنهم استنفدوا لغته
وتأمله الفلاسفة حتى ظننا أنهم أحاطوا بأسئلته
ودرسته العلوم حتى ظننا أنها كشفت آلياته
ومع ذلك…
لا يزال كل عاشق يشعر أنه يقف أمام شيء لم يُقَل فيه ما يكفي
لا يزال كل جيل يعود إليه وكأنه يراه للمرة الأولى
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يفارقني:
كيف استطاع الحب بعد كل هذا التاريخ الطويل من الحديث عنه أن يبقى أوسع من كل ما قيل فيه؟
ففي معظم النقاشات حول الحب لا يكون الخلاف حول الحب نفسه بل حول الطريقة التي ننظر بها إليه
أهو هبة؟
أم اختيار؟
أم احتياج؟
أم تعلّق؟
أم معنى يبحث عن نفسه في شخص آخر؟
والغريب أن كل تفسير ينجح في لمس جزء منه ثم يعجز عن احتوائه كله
وكأن الحب لا يرفض الفهم لكنه يرفض أن يُختصر في فهم واحد
ولهذا لا أجد نفسي مقتنعة حين يُختزل إلى الكيمياء وحدها
ولا حين يُختزل إلى الرغبة وحدها
ولا حين يُختزل إلى السلوك وحده
ليس لأن هذه الأشياء غائبة عنه بل لأنها لا تستنفده
فالحب يمرّ بها جميعًا ثم يظل أكبر منها بقليل
وربما لهذا السبب لا أراه مهارة بقدر ما أراه هبة
فليس كل الناس يعبرونه بالطريقة نفسها
ولا في العمر نفسه
ولا بالقدر نفسه
ومن لم يعرف الحب ليس بالضرورة ناقصًا ..أو قاسيًا..أو أن في قلبه خللًا
بل ربما لم تصله تلك الهبة بعد
لكن حتى هذا لا يجيب عن السؤال.
لماذا يعود الحب دائمًا أكبر من حديثنا عنه؟
ولماذا لا يزال الإنسان بعد آلاف السنين من التأمل فيه عاجزًا عن أن يقول فيه الكلمة الأخيرة؟
أحيانًا أظن أن الحب ليس أكثر المشاعر غموضًا
بل أكثرها قدرة على الإفلات
كلما اقتربنا منه من زاوية ظهر من زاوية أخرى
الشاعر يراه لغة
والفيلسوف يراه سؤالًا
والمتصوف يراه كشفًا
والحذر من يراه فتنة
وعالم الأعصاب يراه تفاعلًا.
والعاشق يراه حياةً كاملة
والأغرب أن أحدًا منهم لا يبدو مخطئًا تمامًا
وكأن الحب يقف في نقطة تتقاطع عندها كل هذه الرؤى، دون أن يذوب في واحدة منها.
ثم إنني أتساءل:
هل سرّ الحب في الحب نفسه؟
أم في الأثر الذي يتركه فينا؟
فالحب لا يمر بالإنسان مرورًا عابرًا.
إنه يعيد ترتيب الأشياء.
يبدّل أولوياتنا
ويمنح بعض التفاصيل وزنًا لم تكن تملكه من قبل
حتى العالم نفسه يبدو مختلفًا حين ننظر إليه من نافذة الحب
لكن ربما هنا تبدأ المنطقة الأكثر إرباكًا
فنحن نظن أننا نبحث عن شخص
ثم نكتشف أحيانًا أننا كنا نبحث عن شيء أعمق من الشخص
عن طمأنينة
أو اعتراف
أو معنى
أو جزءٍ مفقود من أنفسنا
ولهذا يبقى السؤال معلقًا:
هل نحب الآخرين حقًا؟
أم نحب ما يوقظونه فينا؟
وهل نحزن على الغائب؟
أم نحزن على النسخة التي كنّا عليها حين كان حاضرًا؟
أسئلة لا تنفي الحب بل تزيده اتساعًا
لأن الحب لا يكشف الآخر وحده
بل يكشف طبقات خفية فينا ما كانت لتظهر لولا مروره
ولهذا لا يبدأ العاشق الحقيقي بسؤال:
ما الحب؟
بل بسؤال آخر أكثر غرابة:
لماذا أصبح العالم مختلفًا بعد هذا الإنسان؟
وربما لهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو:
ما الحب؟
بل:
كيف استطاع الحب بعد آلاف السنين من الحديث عنه أن يبقى أوسع من كل ما قيل فيه؟
وكيف ظل رغم كل ما كُتب عنه قادرًا على أن يجعل كل عاشق يشعر أنه أول من اكتشفه؟
الكاتبه :هيفاء بنت محمد
X:passionate33