حين يتقدّم الوطن… من يحرّر الوعي؟

حين يتقدّم الوطن لا يليق بالوعي أن يبقى حارسًا لأسئلةٍ قديمة استهلكت الإنسان أكثر مما فهمته
في المملكة العربية السعودية لا يحدث التحوّل في الطرق والمباني والمشروعات وحدها، بل في تلك المسافة الخفيّة بين المرء وصوته في شجاعته على المشاركة وفي قدرته على أن يرى نفسه جزءًا من المستقبل لا هامشًا عليه
غير أن اتّساع الأبواب لا يعني دائمًا أن العيون تعلّمت النظر أبعد فثمة نقاشات رقمية ما زالت تعود بالناس إلى مقاعد المحاكمة وتستدعي أسئلةً قديمة حول الاختيار والحب والبدايات الجديدة وحضور المرأة كأن الحياة لا تكبر إلا ليعود بعض الوعي إلى قياسها بمسطرةٍ ضيّقة
هنا تتبدّى المفارقة: الوطن يفتح أبوابًا للضوء بينما قد تأتي منصّات التواصل أحيانًا بيدٍ خفيّة لتعيد إغلاقها بالتصنيف لا تمنع الناس من الكلام لكنها تدفعهم إلى اختيار أقنعةٍ أكثر أمانًا وإلى ترتيب أصواتهم وفق ما يُرضي القطيع لا ما يكشف الحقيقة
فالمجتمع الرقمي لا يجلد دائمًا بسوطٍ ظاهر يكفيه أن يصنع مرآةً قلقة يقف أمامها الفرد مترددًا: هل يقول ما يعتقده؟ أم يقول ما يضمن نجاته من التأويل؟ وهكذا لا يصبح الخوف من الخطأ وحده بل من الاسم الذي سيُلصق بالمرء بعد الخطأ أو بعد الصدق، أو حتى بعد محاولة الفهم
ولذلك تبدو الحرية أعمق من كونها مساحةً مفتوحة الحرية مسؤولية داخلية قبل أن تكون حقًا معلنًا أن لا تتحوّل الذات إلى نسخةٍ مصنوعة لطمأنة الجمهور وأن لا يستبدل المرء صوته الحقيقي بتصفيقٍ عابر
وحب الوطن في معناه الناضج ليس أن نغضّ الطرف عن أسئلة الوعي بل أن نثق أن المجتمع السعودي قادر على أن يكبر كما تكبر مساحاته وأن يتقدّم في نظرته كما يتقدّم في حضوره فالأوطان لا تزدهر بالبناء وحده بل بإنسانٍ لا يخاف من المشاركة ولا يُسحق كلما حاول أن يكون مختلفًا بصدق
لهذا لا يكفي أن تتّسع الحياة حولنا ما لم يتّسع داخلنا معنى الحياة نفسها ولا يكفي أن تُفتح الأبواب إن ظلّ بعضنا يقف خلفها كحارسٍ قديم يسأل العابرين عن حقّهم في العبور
فالنهضة لا تكتمل حين تتغيّر المدن فقط بل حين يكفّ المرء عن محاكمة أخيه من وراء قناع الرأي العام وحين يصبح الصوت الصادق أوسع من خوفه وأقرب إلى ذاته من ظلّ الجماعة عليه
بقلم هيفاء بنت محمد
(وهم )
X:@passionate33

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى