صور ومعلومات تنشر للمرة الأولى ..
" أحدث أخبار " تنفرد بحوار مع د. سعيد آل قبوص والد الإعلامية الراحلة ( بشاير الوطن )

فهد الحشام _ الدمام :
ثمة حكايات لا يرويها الزمن، بل يحتفظ بها الآباء في صدورهم، حتى تأتي اللحظة التي يجدون فيها كلمات قادرة على حمل ما عجزت عنه السنوات، وفي هذا الحوار، لا يتحدث الدكتور سعيد آل قبوص والد الإعلامية بشاير القبوص( رحمها الله ) عن شخصية إعلامية عرفها الجمهور، بل عن ابنته التي عرفها قلبه قبل أن تعرفها الشاشات والميادين ..
بصوتٍ يختلط فيه الاعتزاز بالألم، والحنين بالإيمان، يستعيد والدها محطات من حياتها، كاشفًا للمرة الأولى تفاصيل وجوانب شخصية لم تُروَ من قبل، بعيدًا عن الصورة التي عرفها المتابعون ..
حديثٌ صادق لا يبحث عن إثارة الذكريات، بقدر ما يوثق سيرة إنسانة تركت أثرًا تجاوز سنوات عمرها ..
بين السطور، تتشكل ملامح بشاير كما لم تُعرف من قبل، ابنةً، وإنسانةً، وصاحبة حلم، في شهادة إنسانية نادرة، يرويها أقرب الناس إليها، لتبقى سيرتها حاضرة في الذاكرة، وليتحول هذا الحوار إلى وثيقة وفاء، أكثر من كونه مجرد حوار، وذلك خلال السطور التالية ..
كيف كانت شخصية بشاير منذ طفولتها؟
منذ أن فتحت عينيها على الدنيا وهي مختلفة. كانت مرحة، بشوشة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل قلبًا كبيرًا لا يعرف إلا الخير. كانت تزرع الفرح في البيت، وكأنها خُلقت لتترك أثرًا جميلًا في كل من عرفها .
ما أبرز الصفات التي كانت تميزها داخل الأسرة ؟
كانت بارة بوالديها، رحيمة بإخوتها، سبّاقة لخدمة الجميع، وكريمة تحب عمل الخير. لا تنتظر أن يُطلب منها شيء، بل تبادر بقلبها قبل يدها. كانت تجمعنا بالمحبة، وإذا غابت عن مجلس شعرنا أن شيئًا كبيرًا ينقصه ..
متى لاحظتم ميولها للإعلام أو الظهور المجتمعي ؟
منذ سنواتها الأولى كنا نرى فيها الجرأة، وحسن التعبير، والثقة بالنفس. حتى ألعابها كانت قريبة من عالم الإعلام؛ الميكروفون، والمسجلات، وكل ما له علاقة بالصوت والكلمة. كانت تحب أن يكون لكلمتها أثر، وأن توصل رسالة نافعة. ومع الأيام أدركنا أن الإعلام هو المكان الذي تستطيع من خلاله أن تخدم وطنها ومجتمعها ..
كيف كانت علاقتها بوالديها وإخوتها ؟
كانت ابنة لا تُعوَّض. قريبة من قلب أمها، وصديقة لإخوتها، وروح شقيقتها الوحيدة المهندسة حنين، فقد كانتا تتقاسمان كل شيء في الحياة وكأنهما توأمان ملتصقان.
أما أنا، فكانت قطعة من روحي. كان بيتنا يزداد حياة بوجودها. لم تكن تنام يومًا، حتى وهي مسافرة، إلا بعد أن تتأكد أنني بخير، وأنني تناولت أدويتي، ثم تقبّلني على جبيني. كانت دلوعتي وروح أبيها ..

كيف بدأت خطواتها الأولى في المجال الإعلامي ؟
بعد أن تركت الجامعة في سنتها الأولى في تخصص الهندسة بجامعة الأمير محمد بن فهد، اختارت طريق قلبها، فالتحقت بجامعة البحرين في تخصص الإعلام، إذاعة وتلفزيون، لتبدأ أولى خطواتها في تحقيق حلمها.
كانت تؤمن أن النجاح لا يأتي إلا بالعمل والإخلاص، ولم تبحث في الإعلام عن الشهرة بقدر ما كانت تبحث عن تقديم محتوى ورسالة تليق بها ..
ما أبرز التحديات التي واجهتها في بداياتها ؟
كل بداية فيها صعوبات، لكنها كانت تواجهها بالصبر والاجتهاد. ومن أبرز التحديات أنه لم يكن يتوفر حينها تخصص إعلام للنساء في جامعات المنطقة الشرقية، لكنها لم تجعل ذلك عائقًا أمام حلمها. كانت تؤمن أن العمل الصادق يفرض نفسه، ولذلك لم تستسلم يومًا لأي عقبة ..

ما الأعمال أو المحطات التي كانت الأقرب إلى قلبها؟
كل عمل يخدم الناس ويترك أثرًا في المجتمع كان قريبًا من قلبها. كانت تفرح عندما تشعر أن تقريرًا أو قصة صنعت فرقًا في حياة أحد.
لكن من أبرز المحطات القريبة إلى قلبها تغطيتها الإعلامية لقضية خاطفة الدمام، ودورها المهم في كشف المجرم الثاني في القضية. هذه التجربة أثّرت فيها كثيرًا، وكانت من الأسباب التي دفعتها لإكمال دراستها في الماجستير في الإعلام وعلم الجريمة بجامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية في الرياض, لكن قدر الله كان أسرع، وانتقلت إلى رب كريم قبل أن تنهي دراستها .
كيف كانت تنظر إلى رسالتها الإعلامية؟
كانت ترى أن الإعلام أمانة قبل أن يكون مهنة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الإعلامي الحقيقي هو من يخدم الحقيقة والإنسان والوطن.
وكانت تكتب دائمًا في صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي عبارتها التي آمنت بها:
“وطن لا نحميه لا نستحق أن نعيش فيه ” .
هل كانت تتحدث عن طموحات أو مشاريع مستقبلية معينة ؟
كانت مليئة بالأحلام والطموحات، وتتطلع إلى تقديم أعمال أكبر تخدم وطنها وتترك أثرًا طيبًا يبقى بعدها، وقد شاء الله أن يبقى أثرها قبل أن تكتمل أحلامها، وكان من أبرز أحلامها ان تعمل لقاء من القلب الى القلب مع امير الارض وأمير السماء كما تحب أن تناديه دائما مع صاحب السمو الملكي الامير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله والذي كان من المفروض ان يحدد موعد اللقاء مع سموه بعد اجازة عيد الأضحى ولكن قدرها كان أسرع ، كما كان لها حلم أن يكون لها برنامج حواري أسبوعي يحمل اسم “بشاير وطن”، يسلّط الضوء على الأخبار الجميلة والإنجازات التي حققتها رؤية الوطن الملهمة في مجالات متعددة، مثل تمكين المرأة، والسياحة، والتنمية، وغيرها. كانت تنظر إلى وطنها بعين التفاؤل، وبروح النقد البنّاء.

كيف كانت في تعاملها مع الناس خارج الشاشة ؟
كما كانت أمام الناس، كانت معهم بعيدًا عن الكاميرا وأكثر. متواضعة، مبتسمة، تسمع للجميع، وتحترم الجميع، ولا تتكبر على أحد. كانت تعطي كل من عرفها شعورًا أنه صديقها القريب إلى قلبها .
ما المواقف الإنسانية التي لا تزال عالقة في ذاكرتكم؟
مواقفها مع الأيتام والمحتاجين، وحرصها على فعل الخير في الخفاء. كانت ترى أن أجمل الأعمال ما كان بين العبد وربه.
كانت إنسانة رحومة، معطاءة، حساسة، دمعتها قريبة من عينها. راتبها لم يكن لها وحدها، بل لمن تحب، ولمن يحتاج، ولمن تستطيع أن تمسح عنه ألمًا أو حاجة.
ماذا كانت تمثل الأسرة بالنسبة لها؟
الأسرة كانت عالمها الأول والأخير. كانت تعتبر نجاحها الحقيقي أن ترى والديها وإخوتها سعداء. وكلما عادت من عملها ورأت منزلنا، كانت تكتب وتعبّر عن حبها لأسرتها وتردد جملتها الشهيرة:
“البيت الي كل احلامي ابتدأت من داخل اسواره.”
كيف كانت تقضي وقتها بعيدًا عن العمل؟
كانت تحب الجلوس مع أسرتها، وتحب القراءة، وتحب الأعمال التطوعية. وكانت تجد سعادتها بين إخوتها، ومع شقيقتها حنين، ومع دلوعتها ابنة أختها حنين الصغيرة. كانت بسيطة في فرحها، عميقة في محبتها.
كيف كان وقع خبر وفاتها على الأسرة ؟
لا أستطيع أن أصفه بكلمات. كأن الزمان توقف، وكأن البيت فقد روحه, هناك مصائب يعجز اللسان عن وصفها، وهذه واحدة منها.
لا نزال أحيانًا نشعر أنه حلم مرعب وسنفيق منه، لكننا نقول: الحمد لله على كل حال، ونسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المحتسبين .
ماذا يعني لكم حجم المحبة والدعوات التي شهدتموها من الناس ؟
اولُا اشكر كل من قدم لنا مشاعره الصادقة ومواساته الكريمة في فقيدتنا الغالية، رحمها الله، ابنتي بشاير سعيد آل قبوص. التي كانت لنا بالغ الأثر في التخفيف من مصابنا، كما انه كان عزاء من الله لنا. عندما رأينا دعوات الناس ومحبتهم، أيقنّا أن الله ألقى لها القبول في الأرض، وهذه نعمة عظيمة نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتها.
وهذا يعني لنا أن الله أحبها، فحبّب خلقه فيها ..
هل هناك رسالة أو موقف تركته بشاير وتشعرون أنه باقٍ بعد رحيلها ؟
نعم. علمتنا أن العمر لا يُقاس بطوله، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر. رحلت وهي شابة، لكنها تركت في القلوب ما يعجز عنه كثير ممن عاشوا أعمارًا طويلة.
وهذا ما يصبّرنا على فراقها؛ أنها عند رب رحيم، أحنّ عليها من قلبي. فهي كملاك اتى على هيئة بشر علمنا الحب و الرحمة ثم غادر الى رب كريم ...

ما الرسالة التي توجهونها للإعلاميين والإعلاميات الشباب ؟
اتقوا الله في الكلمة، واجعلوا رسالتكم خدمة للحق والإنسان والوطن. فالإعلام رسالة عظيمة قبل أن يكون مهنة. وهذا ما تعلمته أنا من ابنتي بشاير، رحمها الله ..
لو أُتيحت لكم دقيقة أخيرة للحديث معها.. ماذا كنتم ستقولون ؟
يا بشاير يا دلوعتي… والله إني راضٍ عنك كل الرضا، وفخور بك، وأشهد الله أنك نعم الابنة، وأنك روح أبوك وحبه.
سامحيني يا كل حياتي إن قصّرت في حقك.
أسأل الله أن يجمعني بك في الفردوس الأعلى، حيث لا فراق ولا حزن ..
ما أكثر شيء تحبون أن يتذكره الناس عنها ؟
أحب أن يتذكروها كما كانت: بشاير وطن، إعلامية مخلصة، تحب دينها ثم وطنها وولاة أمرها، وصاحبة قلب رحيم، وكلمة صادقة، وأثر طيب. أحبت الناس جميعًا، وخدمتهم بما استطاعت ..
ماذا تقولون لكل من أحب بشاير وتابعها ؟
أقول لهم: جزاكم الله خيرًا على محبتكم لها، ولا تنسوها من دعائكم. فاليوم هي أحوج إلى الدعوة الصادقة من أي وقت مضى .
كيف يمكن تخليد ذكرى بشاير بصورة تليق بمسيرتها ؟
أفضل ما يخلد الإنسان هو الدعاء له، والصدقة الجارية عنه، والاستمرار في الأعمال التي كان يحبها ويؤمن بها.
وعسى الله أن يقدرني أن أبني باسمها دارًا للأيتام والمسنين، أو أي عمل خيري يعود عليها بالأجر. كما أتمنى أن تُكرّم من وزارة الإعلام أو مجلس المنطقة على الأعمال التي قامت بها، لتبقى ذكراها العطرة عبر التاريخ ..
ما الدعاء الذي لا يفارقكم لها؟
اللهم اغفر لدلوعتي بشاير، وارحمها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعنا بها في الفردوس الأعلى، وأبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، واجعل كل ما قدمته في ميزان حسناتها .
كيف تحبون أن يروي الناس سيرة بشاير آل قبوص؟
أحب أن يقولوا: لقد مرّت من هنا إنسانة أحبت الله، وأحبت وطنها، وأحبت الناس جميعًا. عاشت صادقة في كلمتها، رحيمة في قلبها، وبقي أثرها الطيب بعد رحيلها، رحمها الله رحمة واسعة، وجعلها في عليين، وجمعنا بها في جنات النعيم.