الوعي في العلاقات الأسرية

بقلم :؟غادة المزيني-أخصائية اجتماعية

قد نعيش مع أفراد أسرتنا سنوات طويلة، ونعرف تفاصيل حياتهم وعاداتهم، بل نستطيع أحيانًا توقع ردود أفعالهم قبل أن يتحدثوا. لكن هذه المعرفة لا تعني بالضرورة أننا نفهمهم حقًا.

في العلاقات الأسرية، ثمة فرق بين أن نعرف الأشخاص وأن نفهمهم. فقد نعتاد صورة معينة عن أحد أفراد الأسرة، ونستمر في التعامل معه على أساسها، حتى بعد أن تتغير شخصيته أو تتبدل احتياجاته. ننسى أحيانًا أن الإنسان لا يبقى كما عرفناه في مرحلة سابقة من حياته، وأن ما كان يناسبه بالأمس قد لا يناسبه اليوم.

قد يستمر الأب في التعامل مع ابنه الشاب باعتباره طفلًا يحتاج إلى التوجيه في تفاصيل حياته، فلا يمنحه مساحة كافية لاتخاذ قراراته بنفسه، رغم أن هذه المساحة جزء من نضجه وتعلمه تحمل المسؤولية.
وفي العلاقة الزوجية، قد يتمسك أحد الطرفين بصورة قديمة عن شريكه، فلا ينتبه إلى أن احتياجاته وتطلعاته من العلاقة قد تغيرت مع مرور الوقت.

ولا تقف المسألة عند حدود الصورة التي نحملها عن الآخرين، بل تمتد إلى الطريقة التي نفسر بها تصرفاتهم. فنحن لا نرى المواقف دائمًا كما تحدث، بل نراها من خلال تجاربنا السابقة وقناعاتنا وتوقعاتنا.
قد نفسر الصمت على أنه تجاهل، والاختلاف على أنه رفض، وطلب المساحة الشخصية على أنه قلة اهتمام. وهكذا قد ننشغل بتفسير التصرف أكثر من محاولة فهم أسبابه.

وقد يظهر هذا الخلل بوضوح حين يتحول تاريخ العلاقة إلى مرجع دائم للحكم على الحاضر ، فموقف قديم يتكرر استحضاره عند كل خلاف، أو تجربة سابقة تجعلنا نتوقع الأسوأ من تصرف جديد، حتى وإن اختلفت ظروفه.
ومع الوقت، لا يعود الطرف الآخر مطالبًا بتوضيح موقفه الحالي فحسب، بل يجد نفسه في مواجهة أحكام تراكمت عبر سنوات.
وهنا تصبح مراجعة نظرتنا للآخر ضرورة، حتى لا نحاكم حاضره بأحداث لم تعد تمثله بالضرورة.

ولعل ما يجعل العلاقات الأسرية أكثر تعقيدًا أن القرب الشديد لا يمنع سوء الفهم، بل قد يجعلنا أقل انتباهًا إلى حاجتنا لسؤال الآخر والاستماع إليه، فنعتقد أننا نعرف ما يريد، وما يشعر به، وما يناسبه، دون أن نمنحه فرصة للتعبير عن نفسه.

إن فهم العلاقات يبدأ من مراجعة بعض المسلّمات التي اعتدناها:
أن نسمح للآخرين بأن يتغيروا، وألا نحاكم تصرفاتهم دائمًا من خلال تجارب سابقة، وأن نسأل قبل أن نفسر، ونستمع قبل أن نصدر الأحكام.
كما يتطلب منا أن نراجع أثر تصرفاتنا فيهم، فحسن النية لا يعني بالضرورة أن أثر أفعالنا كان حسنًا.

ولا يعني ذلك أن نتخلى عن خبراتنا أو نتجاهل ما تعلمناه من تجاربنا
بل أن ندرك أن لكل إنسان خصوصيته،
وأن العلاقات تحتاج إلى معرفة متجددة،
لا إلى أحكام ثابتة.

فربما لا نحتاج دائمًا إلى بذل جهد أكبر لنكون أقرب إلى أفراد أسرتنا، بقدر ما نحتاج إلى أن نراهم بصورة أكثر وعيًا، وأن نتقبل أن من نحبهم قد يتغيرون، وأن فهمهم رحلة لا تنتهي عند حدود ما نعرفه عنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى