هل نعامل أنفسنا برحمة؟

بقلم : غادة المزيني
ننشغل كثيراً بعلاقاتنا مع الآخرين، نحاول فهم تصرفاتهم، ونبحث عن أسباب تغيرهم، ونراجع كلماتنا ومواقفنا، ونتساءل عما كان ينبغي أن نقوله أو نفعله.
لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل أنفسنا: كيف نتعامل مع أنفسنا وسط كل ذلك؟
قد نمنح من نحب مساحة للخطأ، ونلتمس لهم الأعذار، ونتفهم أنهم لم يكونوا دائماً في أفضل حالاتهم. لكننا حين نستعيد أخطاءنا، قد لا نمنح أنفسنا المساحة نفسها، نعيد المواقف في أذهاننا، ونلوم أنفسنا على كلمات قلناها، أو قرارات اتخذناها، أو فرص لم نحسن التعامل معها.
وربما لا ننتبه إلى أننا نحاكم أنفسنا القديمة بمعرفتنا الحالية، ننسى أن بعض الدروس لم نفهمها إلا بعد أن عشنا تجاربها، وأن ما يبدو لنا اليوم واضحاً لم يكن بالضرورة كذلك في وقت مضى. فنحن اليوم نفهم تلك التجارب بوعيٍ لم يتشكّل لدينا إلا بعد المرور بها.
ولا تقف علاقتنا بأنفسنا عند استعادة الماضي، بل تظهر أيضاً في اختياراتنا اليومية، وفي المساحة التي نمنحها لاحتياجاتنا ومشاعرنا، وفي قدرتنا على الموازنة بين ما نحتاج إليه وما يحتاج إليه الآخرون.
فقد نؤجل راحتنا لأن هناك ما يستحق أن ننجزه، أو نتجاوز عن بعض ما يزعجنا حفاظاً على علاقة نحرص عليها. وهذه اختيارات قد تعكس وعينا بالآخرين وقدرتنا على تقدير ما يستحق التنازل. لكن الأمر يختلف حين يتحول التأجيل إلى عادة، أو حين نعتاد التقليل من مشاعرنا لأننا نعتقد دائماً أن ما يشعر به الآخرون أهم مما نشعر به نحن.
فالاهتمام بالآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب أنفسنا، كما أن اهتمامنا بأنفسنا لا يعني إهمالهم. وبين الأمرين مساحة من التوازن، نمنح فيها كل طرف حقه دون أن نضطر إلى إنكار أنفسنا أو التقليل من شأنها.
ولعل ما يساعدنا على تغيير هذه النظرة أن نتذكر أننا لسنا مطالبين بأن نكون دائماً في أفضل حالاتنا، أو أن نتصرف في كل موقف بالحكمة التي نتمناها. فالحياة لا تمنحنا دائماً الوقت الكافي للفهم، وبعض الدروس لا تتضح إلا بعد أن نمر بها. وما يبدو لنا اليوم خطأً كان يمكن تجنبه، ربما لم يكن واضحاً لنا حين كنا نعيش التجربة، ونحاول فهم ما يحدث لنا والتعامل معه بما نستطيع.
أن نكون أكثر رحمة بأنفسنا لا يعني أن نرضى عن كل ما فعلناه، أو أن نتجاهل أخطاءنا، بل أن نتعلم منها دون أن نختزل أنفسنا فيها. أن نعترف بأننا أخطأنا، ونتحمل مسؤولية اختياراتنا، ونمنح أنفسنا فرصة للتغير بدلاً من البقاء عالقين في صورة قديمة لم تعد تشبهنا.
قد لا نستطيع تغيير ما حدث أو استعادة بعض الفرص، لكننا نستطيع أن نتعلم مما مضى، دون أن نسمح له بأن يحدد نظرتنا إلى أنفسنا اليوم.
وربما، وسط كل ما نبذله لفهم الآخرين والاقتراب منهم، نحتاج أحياناً إلى أن نتوقف قليلاً ونلتفت إلى أنفسنا، لا لنبحث عن أخطائنا هذه المرة، بل لنسأل: هل نعامل أنفسنا برحمة؟