فخ البحث عن الكمال

بقلم : غادة المزيني – أخصائية اجتماعية

نجد أنفسنا كثيراً في سباق مع الحياة، نحاول أن نكون في أفضل صورة في كل جانب منها. نريد أن ننجح في عملنا، ونكون حاضرين مع أسرنا، ونهتم بصحتنا، ونحافظ على علاقاتنا، ونحقق استقرارنا المالي والروحي.

وكل ذلك مهم، لكن المشكلة تبدأ عندما لا نكتفي بأن نعطي كل جانب ما يحتاجه، بل نشعر أن علينا أن نعطيه الدرجة الكاملة أيضاً؛ أن نكون موظفين مثاليين، وآباء مثاليين، وأصحاء دائماً، وناجحين في كل أدوارنا في الوقت نفسه.

وهنا يتحول السعي لحياة متوازنة إلى محاولة مستمرة للوصول إلى «عشرة من عشرة» في كل شيء. ننتقل من العمل إلى البيت، ومن مسؤوليات الأسرة إلى الالتزامات الاجتماعية، ثم نحاول أن نجد وقتاً للرياضة والراحة وتطوير الذات، وفي نهاية اليوم نشعر أننا لم نفعل ما يكفي.

حتى مفهوم «عجلة الحياة»، الذي يساعدنا على فهم جوانب حياتنا، قد يتحول أحياناً إلى مصدر للضغط. ننظر إلى كل جانب ونبحث عما ينقصه، ثم نشعر بالتقصير كلما وجدنا أن أحدها لا يسير كما نريد.

ننسى أحياناً أننا بشر، ولدينا وقت وطاقة محدودان، وليس من الطبيعي أن نكون في أفضل حالاتنا في كل الجوانب في الوقت نفسه. قد ننجح في جانب، بينما نمر بفترة لا نستطيع فيها إعطاء الجوانب الأخرى القدر نفسه من الاهتمام، وهذا أمر طبيعي.

هناك فترات يأخذ فيها العمل مساحة أكبر، وفترات نحتاج فيها للاهتمام بصحتنا أو الاقتراب ممن نحبهم. وهذا لا يعني أننا فقدنا التوازن، بل يعني أن أولوياتنا تتغير بحسب ظروف الحياة.

ربما لا يكون التوازن في أن نعطي كل جانب القدر نفسه، وإنما في أن نعرف ما يحتاج منا اهتماماً أكبر في كل مرحلة، وما يكفي أن نحافظ عليه بالحد المناسب.

وهنا يمكن أن نسأل أنفسنا: ما الذي يحتاجني فعلاً الآن؟ وما الذي يمكن تأجيله دون شعور بالذنب؟

الحياة ليست سباقاً للعلامة الكاملة. أحياناً يكفي أن نبذل ما نستطيع، وأن نتقبل أن بعض الأمور ستأخذ مساحة أقل مؤقتاً، دون أن نعتبر ذلك تقصيراً.

وعندما نتوقف عن مطالبة أنفسنا بالكمال، ندرك أن التوازن لا يعني أن نفعل كل شيء، بل أن نعرف ما يستحق جهدنا الآن، وأن نسمح لأنفسنا بأن نكون بشراً لنا طاقة وحدود.

فالحياة لا تحتاج أن ننجح في كل شيء، بقدر ما تحتاج أن نستمر فيها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى