مكتشف اختراقات و مستشار لدى شركة بندر بن شمال للمحاماة

صحيفة أحدث أخبار تنفرد بحوار موسع مع خبير الأمن السيبراني مجلاد السبيعي

 

 

في عالمٍ تتحول فيه المعلومة إلى سلاح، والبيانات إلى ثروة، لم تعد المعركة تحتاج إلى جيوشٍ على الأرض؛ أحيانًا يكفي جهاز، وثغرة، وشخص يعرف أين يضغط.

هنا تبدأ حكاية الأمن السيبراني… وهنا يظهر مختبر الاختراق الذي لا ينتظر الهجوم، بل يبحث عنه قبل أن يصل.

في هذا الحوار، نضع الأسئلة الصعبة على الطاولة أمام مستشار الأمن السيبراني ومختبر الاختراق مجلاد السبيعي؛ عن الثغرات التي لا يراها المستخدم، والهجمات التي تبدأ بخطوة بسيطة، وكيف يمكن لاختراق واحد أن يتحول إلى أزمة كبيرة.

فهل نحن فعلًا أكثر أمانًا مما نعتقد؟ أم أن أخطر الاختراقات… هي تلك التي لم نكتشفها بعد !

كل ذلك و غيره من التساؤلات في هذا المجال من خلال الحوار التالي مع الاستاذ مجلاد السبيعي

 

حاوره : فهد الحشام

 

الاسم: أ. مجلاد مشاري السبيعي

 

التخصص: مستشار أمن سيبراني، مختبر اختراق (Penetration Tester)باحث في الأمن الرقمي والخصوصية

 

جهة العمل الحالية: مستشار الأمن السيبراني في قطاع الاستشارات القانونية

 

المؤهلات والخبرات:

خبرة مهنية تمتد لأكثر من 7 سنوات في مجال الأمن السيبراني واختبار الاختراق الأخلاقي

مؤلف وباحث تقني (معدّ موسوعة ودليل لغة C++ الشامل، ومؤلف دليل تحصين وخصوصية نظام التشغيل Windows)

خبير في تتبع الثغرات الأمنية والتعامل مع برامج الإفصاح عن الثغرات (VDP) محلياً ودولياً، والتحقيق الجنائي الرقمي

 

المحور الأول: مدخل إلى الفضاء السيبراني (التاريخ والأهمية)

س: كيف تطور مفهوم “الأمن السيبراني” من مجرد برامج حماية تقليدية ومكافحة فيروسات، إلى فضاء معقد يشكل عماد الحروب الحديثة واقتصادات الدول؟

البدايات (الدفاع التقليدي): في التسعينيات وبداية الألفية، كان التركيز ينصب على “أمن المعلومات” التقليدي وحماية الحدود الرقمية للمنشأة عبر جدار ناري (Firewall) ومكافح فيروسات بسيط يعتمد على توقيعات رقمية معروفة مسبقاً لمنع الفيروسات العشوائية.

 

التحول الكبير (السيادة الرقمية): مع التحول الرقمي الشامل، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية، اختفت الحدود التقليدية للمنشآت. انتقلنا إلى مفهوم الأمن السيبراني (Cybersecurity) الذي يشمل حماية الحيز السيبراني كاملاً: الأنظمة، البرمجيات، الشبكات، والبلد كبنية تحتية حيوية.

 

الوضع الحالي: الهجمات اليوم لم تعد عبثية أو فردية؛ بل تقودها مجموعات منظّمة مدعومة من دول (APT Groups) تستهدف شلّ البنى التحتية كشبكات الكهرباء، والمياه، والمنشآت النفطية، والقطاعات المالية. الفضاء السيبراني أعلنته الدول رسمياً كـ “المجال الخامس للحروب” (بعد البر، البحر، الجو، والفضاء).

 

 

س: لماذا أصبح الأمن السيبراني اليوم يمثل مسألة “أمن قومي” واستدامة للمنشآت، وليس مجرد مهمة تقنية ثانوية؟

لأن اختراقاً واحداً ناجحاً لجهة حيوية قد يتسبب في توقف تام لخدمات الدولة، أو خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، أو تسريب بيانات ملايين المواطنين؛ مما يمس الاستقرار الاجتماعي والأمني بشكل مباشر.

 

في عالم المال والأعمال، الأمن السيبراني هو حارس الاستدامة؛ فالشركات التي تهمل هذا الجانب قد تفلس تماماً بسبب هجمات الفدية (Ransomware) أو تفقد سمعتها وتتعرض لغرامات قانونية تنهي وجودها في السوق. بناءً على ذلك، انتقل الملف من مكاتب “إدارة تقنية المعلومات” إلى طاولات “مجلس الإدارة”.

المحور الثاني: ريادة المملكة عالمياً في الأمن السيبراني

س: حققت المملكة العربية السعودية قفزات نوعية وصُنفت في المركز الثاني عالمياً في المؤشر العالمي للأمن السيبراني (GCI). كيف تقرؤون هذا الإنجاز؟

هذا الإنجاز العالمي لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة لرؤية المملكة 2030 التي أدركت مبكراً أن التحول الرقمي السريع والضخم الذي تشهده المملكة (مثل منصات أبشر، توكلنا، الخدمات البنكية، والمدن الذكية) يجب أن يوازيه درع سيبراني صلب لحمايته.

 

تقييم الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) يعتمد على 5 محاور: (القانوني، التقني، التنظيمي، بناء القدرات، والتعاون الدولي). تفوق المملكة في كل هذه المحاور يعكس تكامل المنظومة السيبرانية السعودية وتفوقها على دول صناعية كبرى.

س: ما الذي يميز النموذج السعودي في الحوكمة السيبرانية مقارنة بالدول الأخرى؟

المركزية والجدية: وجود جهة مرجعية عليا ومستقلة وهي الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA) ترتبط بخادم الحرمين الشريفين مباشرة، مما أعطى التشريعات قوة نفاذ صارمة.

الضوابط الملزمة: أصدرت الهيئة ضوابط أمنية صارمة وملزمة لجميع الجهات الحكومية والحيويّة (مثل الضوابط الأساسية للأمن السيبراني ECC)، ولم تترك الأمر اختيارياً كحال بعض الدول.

الاستثمار في الكادر البشري: إطلاق مبادرات ضخمة لتأهيل الكوادر الوطنية (مثل أكاديمية الأمن السيبراني، والابتعاث، وحملات التوعية) خلق جيشاً سيبرانياً وطنياً يحمي فضاءنا الرقمي باحترافية.

 

المحور الثالث: الجريمة السيبرانية من الواقع الميداني (تقنياً وقانونياً)

س: من واقع خبرتكم الميدانية طوال السنوات الماضية، هناك سيناريو احتيال معقد وعابر للحدود يتكرر ويقع ضحيته الكثير من المواطنين بأدوات محلية. كيف تتم هذه الهندسة الخبيثة؟

هذا السيناريو يمثل ذروة خطورة “الهندسة الاجتماعية المنظمة”، حيث تُدار العملية بالكامل من قِبل شبكات احتيال في دول خارجية (منها دول عربية)، وتظهر للضحية برداء سعودي كامل (رقم محلي وحساب بنكي محلي) عبر 4 مراحل رئيسية:

 

  1. بناء الهوية الرقمية الوهمية (السوق السوداء): يقوم المحتالون في الخارج بنشاط مستمر لشراء أرقام هواتف جوال سعودية من خلال “السوق السوداء” الرقمية. هذه الأرقام تُفعل عليها حسابات “واتساب” عن بُعد، وعند محاولة الاتصال بها هاتفياً تجدها لا تعمل، لكنها تعمل على الواتساب لإعطاء الضحية إيحاءً كاذباً بأنه يتحدث مع شخص داخل المملكة.

 

  1. اصطياد “البغال المالية” (Money Mules) تحت غطاء السعودة: يقوم المحتالون بنشر إعلانات وهمية ومكثفة عبر حسابات تواصل اجتماعي تدعي تقديم “وظائف سعودة وهمية من المنزل براتب 1000 ريال شهرياً دون مجهود”. تقع في هذا الفخ للأسف بعض النساء أو الأفراد الباحثين عن دخل سهل، وتوافق الضحية على تسليم بيانات حسابها البنكي، وتسمح لهم بربطه برقم جوال وإيميل يحدده المحتالون، لتصبح الإدارة الكاملة للحساب البنكي بيد العصابة في الخارج وهي جالسة في بيتها.

 

  1. تنفيذ المصيدة (الطُعم المغري): الآن، يملك المحتال (رقم واتساب سعودي + حساب بنكي سعودي باسم مواطن). تبدأ الخطة النهائية بإنشاء إعلانات وهمية ومغرية جداً، مثل: (تأجير شاليهات فخمة بسعر 1200 أو 1500 ريال، وطلب عربون حجز بقيمة 1000 ريال). الضحية يطمئن تماماً لأن الحساب البنكي سعودي والواتساب سعودي، فيقوم بتحويل المبلغ، وبمجرد وصوله يتم حظره (Block) فوراً.

 

  1. تدوير الأموال وتهريبها (Layering): المبلغ الذي دخل في حساب الضحية (التي وقعت في فخ السعودة الوهمية) لا يمتص هناك؛ بل يقوم المحتالون فوراً بتمريره عبر شبكة حسابات سعودية أخرى تم السيطرة عليها بنفس السيناريو لتشتيت التتبع الأمني، ومن ثم يتم تحويلها وإخراجها بالكامل إلى خارج المملكة.

 

 

س: بحكم عملكم في قطاع الاستشارات القانونية؛ كيف يتقاطع هذا الاحتيال مع الأنظمة؟ وما هي الرسالة القانونية الصارمة لمن يفرط في حسابه البنكي؟

 

التقاطع التقني القانوني: التقنية توضح “كيف حدثت الجريمة”، والقانون يحدد “العقوبة والمسؤولية”. وهنا يأتي دور التحقيق الجنائي الرقمي (Digital Forensics)؛ فعند حدوث جريمة، نقوم بتتبع الآثار الرقمية، وتحليل سجلات النظام (Logs)، وجمع الأدلة بطرق علمية تضمن سلامتها (Chain of Custody) لتقديم تقرير فني يُعتد به أمام القضاء لإدانة الجناة.

 

المسؤولية القانونية الصارمة: الرسالة هنا حازمة؛ الشخص الذي يقوم بتأجير أو بيع أو تمكين الآخرين من حسابه البنكي مقابل 1000 ريال شهرياً، لا يعتبره القانون “ضحية مغفلة”، بل يصبح شريكاً جنائياً كاملاً في جريمتي “الاحتيال المالي” و”غسيل الأموال” بموجب نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام مكافحة غسيل الأموال. الجهات الأمنية ستتجه مباشرة لصاحب الحساب البنكي المسجل رسميًا بالهوية الوطنية، والنتيجة: تجميد الحسابات، الإدراج في القوائم السوداء، والمساءلة القضائية التي قد تصل للسجن لسنوات وغرامات بالملايين لأجل 1000 ريال!

 

المحور الرابع: فجوة الوعي المجتمعي (الأسباب والحلول)

س: ما سبب ضعف مفهوم الأمن السيبراني لدى كثير من أفراد المجتمع رغم ريادة الدولة؟

تفضيل السهولة على الأمان: طبيعة المستخدم البشري تميل لتسهيل الإجراءات؛ فالناس يفضلون استخدام كلمة مرور واحدة وسهلة لجميع حساباتهم، ويرفضون تفعيل التحقق الثنائي لأنه يضيف “خطوة زائدة”.

 

سرعة التحول الرقمي: وتيرة الاعتماد على التطبيقات والخدمات الذكية محلياً كانت أسرع بكثير من وتيرة تثقيف المستخدم العادي بمخاطرها.

وهم “أنا لست مستهدفاً”: يعتقد الكثير من الأفراد أن المخترقين يبحثون فقط عن المشاهير أو الأثرياء، ولا يدركون أن بياناتهم البسيطة (كالهوية، رقم الهاتف، الصور) تُباع في الإنترنت المظلم، أو تُستغل لانتحال شخصياتهم واستهداف أقاربهم مالياً.

 

 

س: ما هي الحلول العملية لرفع “الثقافة السيبرانية” لدى المجتمع؟

 

التعليم المبكر: إدراج مفاهيم “المواطنة الرقمية والأمان السيبراني” كجزء أساسي في المناهج الدراسية منذ المراحل الابتدائية.

 

صناعة المحتوى التوعوي الجاذب: الابتعاد عن الأسلوب الجاف والأكاديمي، والاعتماد على الفيديوهات القصيرة، والمحاكاة الواقعية لقصص الاحتيال (مثل سيناريو الشاليهات والسعودة)، والإنفوجرافيك المبسّط.

 

المحاكاة المؤسسية: قيام الجهات والشركات بإجراء تجارب “تصيد وهمية” لموظفيها بشكل دوري، لتدريبهم ميدانياً على كشف الروابط المفخخة.

 

المحور الخامس: دليل الأمان والخصوصية الرقمية (نصائح للقارئ)

 

س: ما هي ” وصفة الأمان” السريعة لحماية الحسابات والهواتف من الاختراق؟

 

  1. التحقق الثنائي (MFA): فعّله فوراً في كل حساباتك (واتساب، بريد إلكتروني، تواصل اجتماعي، أبشر)؛ هو خط الدفاع الأقوى الذي يمنع الاختراق حتى لو تسربت كلمة مرورك.

 

  1. إدارة كلمات المرور: لا تكرر كلمة المرور أبداً. استخدم تطبيقات إدارة كلمات المرور الموثوقة لإنشاء وحفظ كلمات معقدة.

 

  1. قاعدة “التشكيك التقني”: لا تضغط على أي رابط يصلك في رسالة نصية أو بريد إلكتروني يطلب منك إجراءً عاجلاً (تحديث حساب بنكي، إيقاف خدمات، شحنة معلقة)، واذهب دائماً للمصدر الرسمي عبر تطبيقه المعتمد.

 

  1. التحديثات الفورية: لا تؤجل تحديث نظام تشغيل هاتفك أو حاسبك الشخصي؛ فالتحديثات غالباً ما تغلق ثغرات أمنية خطيرة يستغلها المخترقون.

 

 

س: ما مدى أهمية اهتمام الفرد بخصوصية بياناته والأنظمة (مثل Windows Hardening) والرد على مقولة “ليس لدي ما أخفيه”؟

 

مقولة “ليس لدي ما أخفيه” هي أكبر خطأ يرتكبه المستخدم. الخصوصية لا تعني أنك ترتكب خطأً وتريد إخفاءه، بل تعني حقك في حماية هويتك وسلوكك من الاستغلال.

 

البيانات البسيطة التي تستهين بها (موقعك الجغرافي، اهتماماتك وتصفحك، نوع جهازك) يتم تجميعها وبناء ملف رقمي عنك (Profiling). هذه البيانات تُستخدم لاحقاً في صياغة هجمات هندسة اجتماعية موجهة ضدك بدقة عالية جداً للاحتيال المالي أو اختراق خصوصية عائلتك.

 

لذلك، عمليات مثل تحصين أنظمة التشغيل (Windows Hardening) وتقليل الاعتماد على التتبع الدائم للشركات التقنية الكبرى (De-Googling)، هي بمثابة إغلاق النوافذ والأبواب في منزلك لحماية عائلتك؛ سلوك وقائي لحماية أصولك الرقمية وشخصيتك من التلاعب.

 

 

س: كلمة توجيهية منكم للشباب والشابات الراغبين في دخول مجال الأمن السيبراني واحترافه؟

 

الأمن السيبراني هو بحر متجدد لا يتوقف، ونصيحتي الذهبية: ابنِ الأساسات أولاً قبل الأدوات.

 

لا تستعجل تحميل برامج الاختراق الجاهزة وتثبيت الشروحات دون فهم؛ بل تعلّم أولاً كيف تعمل الشبكات (Networking)، وكيف تُبنى أنظمة التشغيل (Linux & Windows)، وافهم أساسيات البرمجة (مثل C++ أو Python).

 

عندما تفهم كيف يُبنى النظام وكيف يفكر المبرمج، ستعرف تلقائياً كيف تكتشف ثغراته وكيف تحميه. الشهادات الاحترافية مهمة، لكن الشغف المستمر بالتعلم، والرقابة الذاتية (الالتزام بالأخلاقيات)، والتطبيق العملي المستمر هي ما يصنع منك خبيراً حقيقياً يشار إليه بالبنان.

 

س : هل يتجه مستقبل القضايا نحو الجرائم السيبرانية وحماية البيانات؟

نعم، وبشكل لا رجعة فيه، والتحوّل بدأ فعلاً لا أنه قادم. الدافع الأساسي هو التحوّل الرقمي ضمن رؤية 2030، وصدور نظام حماية البيانات الشخصية بالمرسوم الملكي رقم م/19 ثم تعديله بالمرسوم م/148، تحت إشراف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، مع دخوله حيّز التطبيق الكامل. أضف إلى ذلك نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر بالمرسوم م/17 لعام 2007 والمعدَّل عام 2017، الذي صار يُطبَّق بفاعلية.

طبيعة النزاعات نفسها تتغيّر: من النزاعات التقليدية (عقود، تجاري، عقار) إلى تسريب البيانات، وانتهاك الخصوصية، والأدلة الرقمية، والابتزاز الإلكتروني. أي جهة تعالج بيانات أصبحت معرّضة للمساءلة، والبيانات صارت أصلاً وخطراً في آنٍ واحد. وارتفاع بلاغات الابتزاز والاختراق عبر قنوات مثل 1909 وتطبيق كلنا أمن يعكس حجم هذا التحوّل.

 

أما كيف استعدّت الشركة – وهنا نقطة التميّز – فالقيمة الحقيقية تكمن في الجمع بين العمق القانوني والفهم التقني. المحامي الذي يفهم كيف يقع الاختراق فعلياً، وكيف يُقرأ التقرير الجنائي الرقمي (forensic report)، وكيف تُوثَّق الأدلة الرقمية بشكل مقبول أمام المحكمة، يقدّم قيمة لا يقدّمها المحامي التقليدي. الشركة بنت ممارسة متخصصة قائمة على التأهيل في نظامَي البيانات والجرائم المعلوماتية، وبناء قدرة في التعامل مع الأدلة الرقمية والاستجابة للحوادث، وجسر بين الخبرة القانونية والأمنية التقنية. (عدّل هذه الفقرة بما يطابق استثمارات المكتب الفعلية في الكوادر والشراكات.)

 

س : أثر ملف الأمن السيبراني في تقييم الشركة عند الاستحواذ أو دخول مستثمر

أصبح عاملاً جوهرياً ومباشراً في التقييم، لا مجرد بند ثانوي. فحص العناية الواجبة السيبرانية (Cyber Due Diligence) صار جزءاً أساسياً من أي صفقة استحواذ أو استثمار، لأن الوضع الأمني للشركة المستهدفة يؤثر مباشرة في سعرها وفي قرار إتمام الصفقة من عدمه.

السبب أن ملف الأمن السيبراني يخفي التزامات محتملة قد تتحوّل إلى خسائر: اختراقات سابقة غير مُفصح عنها، أو عدم امتثال لنظام حماية البيانات الشخصية يعرّض المشتري لغرامات قد تصل إلى خمسة ملايين ريال عن المخالفات الجسيمة، فضلاً عن المسؤولية التنظيمية والضرر السمعي. المثال الأشهر عالمياً صفقة استحواذ Verizon على Yahoo، حيث خُفّض سعر الصفقة بنحو 350 مليون دولار بعد الكشف عن اختراقات ضخمة أثناء الفحص.

 

عملياً، المستثمر اليوم يسأل: ما حجم البيانات وأين تُخزَّن؟ هل هناك تاريخ اختراقات؟ ما مستوى الامتثال النظامي؟ كيف تُدار مخاطر الأطراف الثالثة والموردين؟ النتيجة أن الوضع الأمني السليم والمتوافق نظامياً أصبح أصلاً يرفع القيمة، والوضع الضعيف عبء يخفضها أو يُسقط الصفقة. ودور المكتب القانوني هنا أن يقود هذا الفحص ويترجم المخاطر التقنية إلى التزامات وضمانات تعاقدية واضحة في اتفاقية البيع.

 

س : هل الأمن السيبراني قضية تقنية لقسم تقنية المعلومات، أم مسؤولية حوكمة على طاولة مجلس الإدارة؟

اليوم هو مسؤولية حوكمة بامتياز، ومكانه طاولة مجلس الإدارة لا غرفة الخوادم. التعامل معه كقضية تقنية بحتة هو في حد ذاته خلل حوكمي.

السبب جوهري: المسؤولية النظامية تقع على الكيان وقيادته، لا على موظف تقني. نظام حماية البيانات الشخصية يُحمّل الجهة المسؤولية، وضوابط الأمن السيبراني الأساسية الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني وإطار ساما يتطلبان إشرافاً على مستوى الإدارة العليا والمجلس. والاختراق ليس عطلاً تقنياً، بل مخاطرة أعمال متعددة الأبعاد: مالية، وقانونية، وسمعية، وتشغيلية.

 

التوزيع الصحيح للأدوار: قسم تقنية المعلومات ينفّذ ويشغّل، والمجلس يحوكم ويتحمّل المسؤولية – يحدد شهية المخاطر، ويعتمد الميزانية، ويضع المساءلة، ويشرف على حوكمة الاستجابة للحوادث. ما يُعرف بـ “نبرة القمة” (tone at the top) هو ما يحدد جدية المنظومة كلها. وهذا يتسق مع الاتجاه الدولي، حيث باتت هيئات مثل SEC الأمريكية تُلزم بالإفصاح عن الحوادث السيبرانية على مستوى الإدارة.

س : مع التوسّع في الذكاء الاصطناعي، أين تنتهي المخاطر التقنية وتبدأ المسؤولية القانونية؟

 

الخط الفاصل صار رفيعاً ومتداخلاً، والذكاء الاصطناعي أدخل فئات مخاطر جديدة لم تكن موجودة. المخاطرة التقنية تتحوّل إلى مسؤولية قانونية في لحظات محددة: عند معالجة بيانات شخصية لتدريب النماذج دون سند نظامي، أو عند اتخاذ قرار آلي يمسّ فرداً (والنظام يقيّد القرارات المبنية على المعالجة الآلية وحدها)، أو عند تسرّب بيانات حساسة داخل النموذج، أو عند تحيّز يؤدي إلى تمييز، أو انتهاك لحقوق الملكية الفكرية في المخرجات.

 

في السياق السعودي، نظام حماية البيانات الشخصية يحكم المعالجة الآلية، ولدى سدايا مبادئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وإطار حوكمة في تطوّر مستمر. فالمسألة لم تعد “هل النموذج يعمل تقنياً؟” بل “هل تشغيله متوافق نظامياً ومن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ؟”.

دور المكتب في تقديم الحلول القانونية يشمل: صياغة سياسات حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل الشركة، ومراجعة عقود مزوّدي حلول الذكاء الاصطناعي وتوزيع المسؤولية فيها، وصياغة اتفاقيات معالجة البيانات، والتأكد من السند النظامي لبيانات التدريب، وإجراء عمليات تدقيق امتثال، وبناء خطة استجابة قانونية للحوادث. باختصار، تحويل الغموض القانوني حول الذكاء الاصطناعي إلى إطار واضح يحمي الشركة قبل وقوع المشكلة.

 

س : الخدمات القانونية للفرد عند تعرّضه للابتزاز أو الاختراق أو إساءة استخدام بياناته

أول وأهم خطوة هي التوجيه الفوري الصحيح، لأن التصرّف الخاطئ في الساعات الأولى قد يفسد القضية: الحفاظ على الأدلة الرقمية وعدم حذفها، توثيق كل شيء، عدم الرد على المبتز أو الدفع له، والتبليغ عبر القنوات النظامية — الرقم الموحّد 1909، وتطبيق كلنا أمن، والنيابة العامة. التواصل غير المدروس مع الجاني أو نشر الواقعة قد يرتّب مسؤولية متبادلة، وهنا تظهر قيمة الاستشارة المبكرة.

على المستوى الجنائي، يتولّى المكتب رفع البلاغ والدعوى استناداً إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية. المادة الثالثة تجرّم الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه، وعقوبتها السجن حتى سنة وغرامة حتى خمسمائة ألف ريال أو إحداهما، وتُشدَّد العقوبة وفق المادة الثامنة في ظروف معيّنة كاستهداف القاصرين أو الجريمة المنظمة. أما الاحتيال والاستيلاء على الأموال بوسائل تقنية فعقوبته بموجب المادة الرابعة تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مليوني ريال. وإساءة استخدام البيانات الشخصية تُضاف إليها مساءلة بموجب نظام حماية البيانات، الذي يصل في الإفصاح عن البيانات الحساسة بقصد الإضرار إلى السجن سنتين وغرامة ثلاثة ملايين ريال.

 

وتشمل الخدمات أيضاً: المطالبة بالتعويض المدني عن الضرر المادي والنفسي، والعمل على إزالة المحتوى المسرّب بالتنسيق مع المنصات والجهات المختصة، وتمثيل الضحية طوال مراحل التحقيق والمحاكمة، مع التعامل بسرية تامة تراعي الجانب النفسي والاجتماعي للضحية. الرسالة الجوهرية للفرد: لست وحدك، والنظام يوفّر حماية فعلية متى تحرّكت بشكل صحيح ومبكر.

 

 

– المراجع :-

نظام حماية البيانات الشخصية — مصادر رسمية

نص النظام الكامل (هيئة الخبراء بمجلس الوزراء) https://laws.boe.gov.sa/boelaws/laws/lawdetails/b7cfae89-828e-4994-b167-adaa00e37188/1

مركز المعرفة لحماية البيانات الشخصية (سدايا) https://dgp.sdaia.gov.sa/wps/portal/pdp/knowledgecenter/details/PDPL

اللائحة التنفيذية للنظام (سدايا، ملف PDF) https://sdaia.gov.sa/ar/Research/Documents/ExecutiveRegulations.pdf

تعميم البنك المركزي السعودي (ساما) بشأن الالتزام بالنظام https://rulebook.sama.gov.sa/en/adherence-personal-data-protection-law-and-data-governance-policies-regulations-and-rules

منصة استطلاع — التعديلات المقترحة على النظام (مرجع للنصوص والعقوبات) https://istitlaa.ncc.gov.sa/ar/Transportation/NDMO/PDPL22/Pages/default.aspx

نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية — مصادر رسمية

نص النظام (هيئة الخبراء بمجلس الوزراء) https://laws.boe.gov.sa/Boelaws/Laws/LawDetails/25df73d6-0f49-4dc5-b010-a9a700f2ec1d/1 ملاحظة: هذا الرابط الرسمي حجب الوصول الآلي عندي، فجرّبه من المتصفح مباشرة، أو اعتمد على النسختين الرسميتين أدناه.

نسخة وزارة المالية (PDF) https://www.mof.gov.sa/docslibrary/RegulationsInstructions/DocLib/نظام مكافحة جرائم المعلوماتية.pdf

نسخة وزارة العدل (PDF) https://adlm.moj.gov.sa/attach/11471.pdf

قنوات التبليغ للأفراد

الرقم الموحّد للإبلاغ عن الابتزاز (الأمن العام): 1909 تطبيق كلنا أمن: قسم بلاغ ابتزاز إلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى