هل نرى الصورة الكاملة؟

بقلم : غادة المزيني – أخصائية اجتماعية
نميل غالباً إلى الأشياء الواضحة، نحب أن نعرف أين يقف الصواب وأين يبدأ الخطأ، ومن على حق ومن على خطأ، وكأن لكل موقف إجابة واحدة لا تترك مجالاً لأن نراه من زاوية أخرى. وربما يمنحنا ذلك شيئاً من الشعور بالأمان، فعندما نطمئن إلى أننا على صواب، لا نشعر دائماً بالحاجة إلى مراجعة مواقفنا، لكن هل نرى الصورة الكاملة؟
كل واحد منا ينظر إلى الحياة من نافذة مختلفة. تجاربنا ومواقفنا وما مررنا به وما تعلمناه، كلها تشكل طريقتنا في فهم الأشياء. لذلك قد نرى الموقف نفسه بطريقة مختلفة، ليس لأن أحدنا لا يفهم، وإنما لأن لكل منا زاويته الخاصة. وحين ندرك ذلك، يصبح من الطبيعي أن نتوقف قليلاً أمام أفكارنا، لا لنتخلى عنها، وإنما لنتأكد أننا لم نغلق الباب أمام زاوية أخرى، فمراجعة الفكرة قد تمنحها فرصة لأن تصبح أعمق وأنضج.
وقد يكون أصعب ما في المراجعة أننا لا نراجع الفكرة وحدها، بل نراجع أحياناً الطريقة التي ننظر بها إلى من يختلف معنا. فكم مرة رفضنا فكرة لمجرد أنها لم تأتِ بالطريقة التي نؤمن بها؟ ليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا كلما اختلف معنا أحد، ولا أن نقبل كل رأي لمجرد أنه رأي آخر. فالاتساع لا يعني أن نفقد مواقفنا، والمرونة لا تعني أن نتخلى عن مبادئنا، لكنها تعني أن نستطيع أن نستمع دون أن نشعر أن اختلاف الآخر تهديد لنا. وهنا تختصرها مقولة الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، فجمالها في المساحة التي تتركها للمراجعة.
فالفرق بين أن نؤمن بأننا على صواب، وأن نعتقد أننا نملك الحقيقة كاملة، هو ما يمنحنا فرصة لأن نرى أبعد. فليس كل اختلاف معركة تحتاج إلى منتصر، وليس كل حوار اختباراً لمن يملك الإجابة الصحيحة. أحياناً يكون أجمل ما نخرج به فكرة جديدة أو سؤال لم نفكر فيه من قبل. فالنضج ليس أن نعتقد أننا نملك الحقيقة كاملة، بل أن نعرف أن رؤيتنا مهما اتسعت تظل جزءاً من الصورة، وكلما اتسع فكر الإنسان، لم يعد يبحث عن أن يكون رأيه هو الصواب دائماً، بقدر ما يبحث عن أن يكون أكثر فهماً.